شباك

[شباك][twocolumns]

كيف شكّلت الصحافة الورقية رؤية أحمد الرومي البصرية؟

  

من القاهرة الكبرى، حيث تختلط الحكايات بضجيج الشوارع، وُلد أحمد الرومي، ليبدأ لاحقًا رحلة طويلة مع الصحافة، لم تكن مجرد مهنة، بقدر ما كانت تمرينًا يوميًا على الإصغاء والتقاط التفاصيل. فمنذ ما يقرب من تسعة عشر عامًا، يتحرك الرومي بين الكلمة والصورة والصوت، باحثًا عن المعنى في الخبر، وعن الإنسان الكامن خلف الحدث.

تخرّج أحمد الرومي في كلية الإعلام بجامعة القاهرة، ودخل عالم الصحافة عام 2005 من بوابة جريدة «روزاليوسف» اليومية، إحدى المدارس الصحفية العريقة في مصر. هناك تعلّم الصنعة من الداخل؛ بدأ محررًا بقسم الشباب، ثم سكرتيرًا للتحرير المركزي، قبل أن ينتقل إلى قسم الديسك ويتولى رئاسته لعدة سنوات، في تجربة صقلت أدواته التحريرية ووسّعت رؤيته لطبيعة العمل الصحفي.
لاحقًا، اختير عضوًا بمجلس تحرير الجريدة لمدة ستة أعوام، وصولًا إلى ترقيته لمنصب مساعد رئيس التحرير، تتويجًا لمسار مهني قائم على التدرّج، والانضباط، والاشتباك الحقيقي مع المهنة.

 


 لم يكتفِ أحمد الرومي بالصحافة المطبوعة، بل انفتح مبكرًا على التحولات التي فرضها الإعلام الرقمي. يعمل حاليًا منتجًا للمحتوى المرئي والصوتي بموقع «سبوت» التابع للهيئة الوطنية للصحافة، حيث يصنع محتوى مخصصًا لمنصات التواصل الاجتماعي، مستخدمًا أدوات صحافة الموبايل، والتصوير، والمونتاج، والتعليق الصوتي، ليعيد تقديم الصحافة بلغة تناسب إيقاع العصر، دون التفريط في جوهرها المهني.

وعلى شاشة التلفزيون، خاض تجارب متعددة كمُعدّ برامج، من بينها برنامج «استوديو 27» (توك شو مسائي) بالتلفزيون المصري – القناة الأولى، وبرنامج «زي الشمس» الصباحي على قناة CBC الفضائية. وهي تجارب أسهمت في تعميق فهمه للعلاقة المركّبة بين النص والصورة، وبين الصحفي وجمهوره.

إلى جانب عمله المهني، ينشط أحمد الرومي في مجال التدريب الإعلامي، بصفته مدربًا في «الفنون الصحفية»، و«صحافة الموبايل»، و«صناعة البودكاست». وقد انتُدب لمدة عامين من كلية الآداب – جامعة عين شمس لتدريب طلاب قسم علوم الاتصال والإعلام، كما شارك في تدريب صحفيين بمقر الهيئة الوطنية للصحافة، وقدم دورات متخصصة بمعهد الأهرام الإقليمي للصحافة حول تحويل الفكرة الصحفية إلى منتج بصري متكامل. 

 

حرص الرومي على تطوير أدواته باستمرار، فحصل على عدد كبير من الدورات وورش العمل، شملت «أمن وسلامة الصحفيين في مناطق النزاع»، والمعايير الدولية للكتابة الصحفية، وتغطية قضايا حقوق الإنسان، إلى جانب برامج متقدمة في الصحافة الاستقصائية والسرد القصصي الرقمي من شبكة «أريج». كما تلقى تدريبات في «الإعلام العسكري» بكلية الدفاع الوطني، والجامعة الأمريكية بالقاهرة، ومركز الدراسات البيئية بمكتبة الإسكندرية.

في تجربته الإبداعية، قدّم أحمد الرومي نماذج متنوعة من الإنتاج الصوتي، إذ قدّم عددًا من برامج البودكاست، من بينها: «الإنسان والأثر»، و«أصوات من المدينة»، و«صوت الأماكن»، و«سندباد المدينة»، متوليًا جميع مراحل الإنتاج، من الإعداد والتقديم، إلى التصميم الصوتي وصناعة المحتوى البصري المصاحب.

 


وفي مسارٍ موازٍ لعمله الصحفي، برز أحمد الرومي بوصفه صانع أفلام وثائقية، خاضت أعماله منافسات رسمية في عدد من المسابقات والمهرجانات السينمائية الدولية، وحققت إنجازات لافتة وحصدت جوائز واختيارات متميزة. تنتمي أفلامه إلى سينما الواقع، حيث يشتبك مع اليومي والهامشي، ويعيد طرح الأسئلة الكبرى من خلال تفاصيل تبدو عابرة. من بين أبرز أعماله الوثائقية: «رحلة البحث عن رائحة السيد البحر»، «المستقر»، «العودة»، و«قصة حياة كيس زبالة»، وهي أفلام أُنجزت بالكامل باستخدام الهاتف المحمول، في تجربة واعية تؤكد إيمانه بأن قيمة الفيلم لا تكمن في حجم الإنتاج، بل في صدق الرؤية، وحساسية المعالجة، وقدرة الصورة على التقاط الجوهر الإنساني للحكاية.

 


بعيدًا عن صخب المهنة، يكتب أحمد الرومي الشعر بالعامية المصرية، وصدر له ديوان «حتّة وطن» عام 2013 عن دار «اكتب» للنشر والتوزيع، فيما يستعد لإصدار ديوانه الثاني «الناصية الرمادي». وهو قارئ لا يثق في العجلة، ومتابع للفعاليات الثقافية والفنية، ومولع بالأفلام الوثائقية التي يرى فيها شكلًا آخر من أشكال الحقيقة.

في مجمل تجربته، يقدّم أحمد الرومي نموذجًا لصحفي معاصر لا يكتفي بنقل الحدث، بل يسعى لفهمه وتأويله وإعادة صياغته بصريًا وسرديًا. صحفي تشكّلت أدواته بين صرامة المدرسة الورقية، ومرونة الوسائط الرقمية، وحساسية التعبير الإبداعي. ما يميّز مساره ليس تنوّع المنصات فحسب، بل قدرته على الحفاظ على جوهر الصحافة: الإنصات للمدينة، والانحياز للإنسان، والبحث الدائم عن المعنى وسط الضجيج. في زمن تتسارع فيه الأخبار، يختار الرومي أن يتأنّى، وأن يصغي أولًا… ثم يكتب. 

برواز

[برواز][bigposts]