شباك

[شباك][twocolumns]

لماذا مصر باقية؟





يحتل كوبري "قصر النيل" مكانة متميز لدى المصريين، اكتسبها لاعتبارات اجتماعية وتاريخية ومكانية. لكل منها طعم ووجاهة، جعلت من ذلك الجسر معنى أكبر وأبعد من مكونه الخرساني ـ المعدني، ليصل إلى منطقة الرمز بأريحية شديدة، يمكن تأويلها بمختلف الثقافات والطبقات الإجتماعية.
لكوبري قصر النيل عمق تاريخي مهم، إذ بناه الخديوى إسماعيل فوق نهر النيل عام 1871، ليربط محافظتى القاهرة بالجيزة، لم يكن ذلك الجسر المفرود بين ضفتيى النهر مجرد منطقة عبور بشرية، بل هو خطوة نحو توطيد الصلة بين القاهرة عاصمة الحكم، والجيزة التي أصبحت بعدها بسنوات عاصمة العلم، إذ بني فيها جامعة الملك فؤاد الأول ـ التى أصبحت فيما بعد جامعة القاهرة ـ منبر التنوير الذي نهل منه غالبية مفكري مصر ومناضليها.
إنه الجسر الأول الذي بنى على النيل، لتتواصل بعدها الجسور، التى خلقت مزيدًا من الترابط المجتمعي بين طبقاته المختلفة؛ على تباينها. وبمرور الوقت تجلى بُعد آخر لكوبري قصر النيل، بعد اجتماعي، بعد أن أصبح الكوبري ـ الذي يقطن قلب العاصمة بمركزيتها البيروقراطية الشديدة ـ مقصدًا للتنزه أبناء الطبقة المتوسطة والفقيرة، عليه أطلقوا العنان لقلوبهم المحبة، وفاضت مشاعرهم وعواطفهم، قصص حب كثيرة نمت وتفتت على جسد هذا الكوبري. ما جعله قبلة للعاشقين، يحاصره عطور الفل والياسمين والورد الأحمر الذي ينادي العشاق كلٌ بلغته.
كذلك أصبح "قصر النيل" متنزة البسطاء، تمرّ فوقه مواكب الأعراس، يتبركون بهوائه العليل، يتلمسون من بريق المياه الجارية تحته ضوء يأملون أن يغمر حياتهم بريق مشابه له. تمرّ المواكب أمام بسطاء الحال، يملؤن أفواههم "سميط وبيض وجبنة"، أكلة متواضعة تسري فى بدونهم رضا وقناعة.
ظلّ كوبري "قصر النيل" منفضة لفورة المشاعر، العاطفية والسياسية والإقتصادية والوطنية، فوقه أحب العاشقين، وتخلص من حياتهم اليائسين، وتنزة وأسترزق المحتاجين، وأشتعل شرارة غضب المحتجين فحمل فوقه أجلى مواجهة تاريخية بين حاكم وشعب.
كل تلك الحوادث كان شاهدًا عليها 4 أسود من البرونز، يطفح من ثباتهما رمزية دفينة؛ تقول بجلاء "إن مصر باقية". تغيّرت الدنيا من حول الأسود الأربعة، وتبدل الحال، لكنهم ظلوا كما يومهم الأول، لم يشيخوا، ولم يعييهم الزمن، ولا أنهكهم تقلب الحال.
لقد مرّ على مصر ويلات وانتصارات، أفراح وأتراح، جميعها مرّت لتظل مصر باقية، وستظل حية طالما يمرّ فوق جسره البكر، مصريون تنبض قلوبهم بمشاعر فياضة بالحب والغضب والوطنية.

فوتوغرافيا وتعليق ـ أحمد الرومي

برواز

[برواز][bigposts]